العيني

225

عمدة القاري

واختلفوا فيمن أعتق على أن لا ولاء له وهو المسمى بالسائبة ، فمذهب الجمهور أن الشرط باطل والولاء لمن اعتق ، ومذهب أحمد أنه لم يكن له الولاء عليه ، فلو أخذ من ميراثه شيئاً رده في مثله . وقال مالك ومكحول وأبو العالية والزهري وعمر بن عبد العزيز رضي ا عنه : يجعل ، ولاؤه لجميع المؤمنين ، كذا فعله بعض الصحابة . الرابع : فيه دليل على تنجم الكتابة ، لقولها : ( كاتبت أهلي على تسع أواق ، في كل عام أوقية ) . وقال الشيخ تقي الدين : وليس فيه تعرض للكتابة الحالة فيتكلم عليه . قلت : يجوز عند أصحابنا أن يشترط المال حالاً ومنجماً لظاهر قوله تعالى : * ( فكاتبوهم إن علمتم ) * ( النور : 33 ) من غير شرط التنجم والتأجيل ، فلا يزاد على النص بالرأي ، وبه قال مالك . وفي ( الجواهر ) : قال أبو بكر : ظاهر قول مالك : إن التنجيم والتأجيل شرط فيه ، ثم قال : وعلماؤنا النظار يقولون : إن الكتاب الحالية جائزة ويسمونها قطاعة ، وهو القياس . وقال الشافعي : لا يجوز حالاً . ولا بد من نجمين ، وبه قال أحمد في ظاهر روايته . الخامس : اشتراط الولاء للبائع هل يفسد العقد ؟ فيه خلاف ، فظاهرا لحديث أنه لا يفسده لما قال في هذا الحديث : ( واشترطي لهم الولاء ) . ولا يأذن النبي ، في عقد باطل . وقال الشيخ تقي الدين : إذا قلنا إن صحيح فهل يصح الشرط ؟ فيه اختلاف في مذهب الشافعي ، والقول ببطلانه موافق لألفاظ الحديث . فإن قلت : كيف يأذن النبي في البيع على شرط فاسد ؟ وكيف يأذن في البيع حتى يقع على هذا الشرط ويقدم البائع عليه ثم يبطل اشتراطه ؟ قلت : أجيب : عنه ، بأجوبة : الأول : ما قاله الطحاوي : وهو أنه لم يوجد اشتراط الولاء في حديث عائشة إلاَّ من رواية مالك عن هشام ، فأما من سواه وهو : الليث بن سعد وعمرو بن الحارث فإنهما رويا عن هشام عن السؤال لولاء بريرة ءنما كان من عائشة لأهلها بأداء مكاتبتها إليهم ، فقال : ( لا يمنعك ذلك عنها : ابتاعي وأعتقي وإنما الولاء لمن اعتق ) . وهذا خلاف ما رواه مالك عن هشام : ( خذيها واشرطي ، فإنا الولاء لمن أعتق ) ، مع أنه يحتمل أن يكون معنى : أشرطي : أظهري ، لأن الإشراط في كلام العرب الإظهار ، ومنه قول أوس بن حجر . * فأشرط فيها نفسه وهو معصم * أي : أظهر نفسه ، أي : أظهري الولاء الذي يوجب اعتقاك إنه لمن يكون العتاق منه دون من سواه . الثاني : أن معنى : ( واشترطي لهم ) أي : عليهم ، كقوله تعالى : * ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) * ( الإسراء : 7 ) قيل : فيه نظر ، لأن سياق الحديث وكثيراً من ألفاظه ينفيه ، ورد بأن القرينة الحالية تدل على هذا مع أن مجيء : اللام ، بمعنى : على ، كثير في القرآن والحديث والأشعار ، على ما لا يخفى . الثالث : أنه على الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النهي ، كما في قوله تعالى : * ( اعملوا ما شئتم ) * ( فصلت : 04 ) وقوله : * ( واستفزز من استطعت منهم ) * ( الإسراء : 46 ) أَلاَ ترى أنه صعد المنبر وخطب وقال : ما بال رجال . . . إلى آخره . الرابع : أنه قد كان أخبرهم بأن الولاء لمن . اعتق ، ثم أقدموا على اشتراط ما يخالف هذا الحكم الذي علموه ، فور دهذا اللفظ على سبيل الزجر والتوبيخ والنكير لمخالفتهم الحكم الشرعي . الخامس : أن إبطال هذا الشرط عقوبة ونكال لمعاندتهم في الأمر الشرعي ، فصار هذا من باب العقوبة بالمال كحرمان القاتل من الميراث ، وكان بين لهم حكم الولاء ، وأن هذا الشرط لا يحل ، فلما أحوا وعاندوا أبطل شرطهم . السادس : أن هذا خاص بهذه القضية عام في سائر الصور ، ويكون سبب التخصيص بإبطال هذا الشرط المبالغة في زجرهم عن هذا الاشتراط المخالف للشرع ، كما أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصاً بتلك الواقعة ، مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج . وقال القاضي : المشكل في هذا الحديث ما وقع من طريق هشام هنا ، وهو قوله : ( اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء ) ، كيف أمرها رسول ا ، بهذا وفيه عقد بيع على شرط لا يجوز ، وتغرير بالبائعين إذا شرط لهم ما لا يصح ؟ ولما صعب الانفصال عن هذا على بعض الناس أنكر هذا الحديث أصلاً ، فحكي ذلك عن يحيى بن أكتم وقد وقع في كثير من الروايات سقوط هذه اللفظة ، وهذا الذي شجع يحيى على إنكارها . السادس من الأحكام : ما قاله الخطابي : إن فيه دليلاً على جواز بيع المكاتب ، رضي به أو لم يرض ، عجز عن أداء نجومه أو لم : يعجز ، أدى بعض النجوم أم لا . وقال الشيخ تقي الدين : اختلفوا في بيع المكاتب عل ثلاثة مذاهب : المنع ، والجواز ، والفرق بين أن يشتري للعتق فيجوز أو للاستخدام فلا . أما من أجاز بيعه فاستدل بهذا الحديث ، فإنه ثبت أن بريرة كانت مكاتبة ، وهو قول عطاء والنخعي وأحمد ومالك في رواية ، وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك في رواية : لا يجوز بيعه ، وهو قول ابن مسعود وربيعة . قلت : مذهب أبي حنيفة